أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

199

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

فيه النفس أشد تمكن ، وتتأثر منه النفس ، فتقبلها أشد قبول . سيما إذا تضمن تخييلا ، سيما إذا كان ذلك التخييل والوزن ، مناسبا لطبع السامع وحاله ، كما يعرف تلك المناسبة المتدربون في ذلك العلم . وقد يقال : لما توقف علم المعاني على تتبع التراكيب العربية ، وكانت التراكيب قسمين : منظوم ومنثور ؛ وتوقف معرفة المنظوم على علم العروض ، جعلوه من العلوم العربية ، لكن يكون حينئذ من مبادي علم المعاني ، كالمحاضرات والتواريخ ، لا قسما برأسه من علم المعاني ، كما ذكرناه أولا ، لكن الصحيح أنه قسم برأسه منه ، لأنه المحسنات العرضية للكلام كما ذكرناه . واعلم : أن العروض يستغنى عنه السليم الطبع ، المستكثر لأنواع الشعر ، ولا ينتفع به البليد ، ويحتاج إليه من عداهما وهم الأكثرون . وإن اجتمع الطبع والكسب فذلك غاية الحذق والمهارة . واعلم : أن الشعر عند الحكماء كلام مخيل موزون أو غير موزون ، وجعلوا مدار الشعر على المخيلات التي تتأثر منها النفس قبضا وبسطا ، حتى قيل : النفس في باب الأقدام والأحجام ، طوع على التخييل من التصديق ؛ وعند المتأخرين : كلام موزون مقفى ، فاعتبروا القافية والوزن وتركوا التخييل ؛ وعند بعضهم : كلام موزون عمدا ، فهم تركوا التقفية والتخييل ، إلا أنهم اعتبروا العمد ، ليخرج ما وقع في التنزيل من الآيات الموزونة عن حد الشعر ، إذ لا عمد فيها ، بدليل قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ « 1 » . لكن الحق وهو المختار عندي ، اعتبار القيود المذكورة جميعا من التخييل ، وإلا يصير الكلام كتزين الشوهاء والوزن ، وإلا ينقص لذة الطبع والتقفية ، وإلا ينقص لذة السمع والعمد ، وإلا يلزم وجود الشعر في القرآن « وما هو بقول شاعر » . فالشعر : كلام مخيل ، موزون ، مقفى بطريق العمد . والتخييل : تأثير الكلام في النفس ، بالقبض أو البسط ، أو غيرهما ، بحسب المعنى المراد منه . والوزن : عبارة عن هيئة تتبع نظام ترتيب المتحركات والساكنات ، وتناسبها في العدد والمقدار ، بحيث تجد النفس عند سماعها لذة مخصوصة ذوقية .

--> ( 1 ) سورة يس ، آية : 69 .